الأحد، 27 فبراير، 2011

الثورة بين الدولة الدينية والدولة المدنية


د. حلمي محمد القاعود | 27-02-2011 00:28

تلعب بعض القوي التي تمثل أقليات سياسية نخبوية ؛ أدوارا أكبر من حجمها ووجودها الفاعل ، وتعيش أوهام التنظير والثرثرة الفكرية والكلامية ؛ أكثر مما تعيش الواقع أو تشعر بوجوده الحي ،ولأنها ترغب دائما في الظهور ، والتسلق ، وركوب الموجة ، فلا تجد مركبا سهلا تمتطيه غير الإسلام وأتباعه ، حيث تستمد هذه القوى النخبوية قوتها وجرأتها من توافق الطغاة في داخل بلاد المسلمين ، وخارجها ؛ على معاداة الإسلام ومحاربته ، ومطاردة أتباعه بما أوتوا من قوة ، ومن دهاء ، لأن الإسلام هو حائط الصد ضد خططهم الجهنمية الشريرة .

إن هذه الأقليات النخبوية ؛ وخاصة من ينتمون إلى الشيوعية الحكومية أو اليسار المتأمرك تتقن فن الخداع بالمصطلحات ، لتوهم عامة الناس أو البسطاء أنهم على صواب ، وأن ما يقولونه هو الحق الصراح .. ومن ذلك حديثهم الممل السخيف عن الدولة الدينية والدولة المدنية في الوقت الذي يدعمون فيه الدولة البوليسية الفاشية ، وينعمون بما تلقيه إليهم من فتات ! والمعلوم أن الدولة الدينية هي الدولة التي يحكمها من يسمون رجال الدين أو رجال الكهنوت ، وكانت هذه الدولة قائمة في أوربة في العصور الوسطى المظلمة بالنسبة للغرب الكاثوليكي .. في المقابل كانت الدولة الإسلامية تعيش في هذه الفترة أزهي عصور الحضارة الإنسانية ،لأنه لا يوجد بها رجال دين أو كهنوت ، ووفقا لآدم ميتز؛ فإن بغداد في عهد الخليفة المأمون كانت تخلو من وجود أمي أو أمية ، بينما كانت الكنيسة في أوربة تمنح صكوك الغفران ليدخل الناس حكاما ومحكومين الجنة ، أو تصدر قرارات الحرمان ليدخلوا النار، وكان الإمبراطور شارلمان لا يعرف كيف يكتب اسمه ...

الفارق بين الدولة الدينية بمفهومها الكاثوليكي ، والدولة الإسلامية كما أرساها الإسلام كبير للغاية ، إذ إن الدولة الإسلامية هي أول دولة مدنية في التاريخ يخضع فيها الناس لسلطة النظام العام أو القانون ، ولا تفتش في الضمائر، ولا تملك سلطة حرمان أو غفران لأن " كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " ( الإسراء : 13) ، " .. ولا تزر وازرة وزر أخرى.. " (الإسراء : 15) .

ولكن القوم عندنا يصرون على ترديد مصطلح الدولة الدينية تعبيرا عن الدولة الإسلامية ، وهذا غير صحيح ، لأن الفارق كبير بين هذه وتلك كما أوضحت ، ثم إن الدولة الإسلامية تحمل خصوصية حضارية مختلفة تنبع من قيم الإسلام التي ترفض الظلم والنهب والعدوان ، كما تنهى عن الربا والزنا وتناول الخمر ليكون المجتمع المسلم نقيا وطاهرا ، وقويا وعفيا ، وهي قيم إنسانية عامة لا يرفضها إلا أصحاب النفوس المنحرفة ، والعقول القاصرة ، والطبائع غير السوية .

وعندما قامت ثورة الورد كان شعارها " نريد إسقاط النظام "، وكانت مطالبها واضحة محددة في الحرية والعدل والكرامة .. وفسر القوم هذه المطالب بأنها كانت تعبيرا عن الانتماء الوطني والمصرية الخالصة التي تنفي الإسلام وتتنصل منه بل تتخلص منه إلى الأبد ، ويطالب هؤلاء أن تقدم الثورة نموذجا للدولة المدنية الوطنية الحديثة‏،‏ الذي لم يتحقق تماما في عصر محمد علي ولا بعده ، حيث بدأت مصر كما يزعمون بتقديم نموذج الثورة الوطنية المستقلة نسبيا عن دولة الخلافة‏ ، وبعد ثورة‏ 1919 قدمت مصر نموذج الثورة الوطنية ضد الاحتلال الأجنبي ، وفي الخمسينيات قدمت نموذج الدولة القومية ..

ولا ريب أن هذا تخليط وافتعال في التفسير وخلل في التصور ، لأن مصر العربية المسلمة تحت أقسى ظروف القهر والعدوان لم تتخل يوما عن إسلامها ، سواء كان الإسلام دين الأغلبية الساحقة ، أو كان حضارة الأقلية وثقافتها . بل إنها في ثورة الورد قدمت أروع نموذج لإسلامها وشريعتها حين صلى الملايين من المسلمين في حضور مجموعات من غير المسلمين ومن الشيوعيين والعلمانيين وأشباههم ، وكان التسامح الإسلامي دليلا دامغا على كذب النخب المتربصة بالإسلام وأهله ، وسلوكهم الانتهازي الرخيص ، ومحاولة الوقيعة بين الأغلبية الإسلامية الساحقة ، وبين أقليات غير إسلامية ارتضت الإسلام ثقافة وحضارة منذ أربعة عشر قرنا .

إن هذه النخب في حمأة كراهيتها للإسلام تحرص على تشويه الحقائق ، وتزييف التاريخ من أجل هدف قبيح ، هو إهانة الإسلام ومحاصرته وإقصائه وإلغائه ، بالادعاء الكاذب أنه قبل‏25‏ يناير لم يكن الشعب طرفا أساسيا في اللعبة السياسية‏(؟!) وكان غائبا أو مغيبا تحت مسمي الأغلبية الصامتة ، أو أن الجدل كان قائما حول الدولة الدينية أو المدنية؟ وأن خياراتنا كانت محصورة بين ثنائيات بائسة مثل الحزب الوطني أو جماعة الإخوان‏ ، ثم إنهم يزعمون أن هذه الثنائيات قد سقطت واتضح الواقع والأفق السياسي علي أطراف عديدة أكثر قوة وفاعلية، وأننا إزاء ثورة بلا خميني وبلا خمينية ، وأن ثورة الشباب المصري أسقطت فكرة الخمينية‏ في الفكر السياسي‏ ، وهي الفكرة التي استحوذت - كما يرون - علي فريق من الناس منذ سنة‏ 1979 ، مع الفارق بين الفكر الخميني والفكر الشيعي‏ وفقا لمفهومهم ،‏ لكن الخمينية استقطبت واستحوذت علي أفكار كثيرين ربما بفعل الإعجاب أو الرغبة في الخلاص (؟!) من المستبدين في السلطة والحكم‏.‏

ثم يزعم القوم أننا الآن بإزاء ثورة ليست محكومة بأفكار الإسلام السياسي ولا بدعاة الدولة الدينية‏ (؟!) لأن ثورة 25 يناير هي ثورة وطنية خالصة بمعني أنها تؤكد منذ اللحظة الأولي الطابع المصري‏ ، وتطلعاتها المصرية في المقام الأول وتنحاز إلي العمومية المصرية‏ ، وفي أفراح الانتصار ارتفعت في ميدان التحرير وشوارع القاهرة أهزوجة جميلة ومؤثرة تؤكد هذا المعني حيث راح الجميع يرددون ارفع رأسك فوق‏..‏أنت مصري ..إلخ.

وهذا تخليط فيه كثير من الترهات يدحضها النص القرآني الكريم الذي يشير إلى الخصوصيات البشرية المحلية للأوطان ، ويؤكد على التفاعل بينها ، قال تعالى :

" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، إن الله عليم خبير " ( الحجرات :13).

إن الهوية المصرية أو اللبنانية أو الجزائرية أو الكردية أو الزنجية لا تلغي الهوية الإسلامية الجامعة كما توضح الآية الكريمة السابقة ، وما كره المسلمون هويتهم الإسلامية ، ولاتضرروا منها ، ولكن الذين ينسلخون من الهوية الإسلامية هم أصحاب الفكر المادي البائس أو الغربي الاستعماري . وكانت الهوية الإسلامية هي رداء المسلمين السابغ الذي تقبله جميع المسلمين في أرجاء الأرض ، وهو رداء لم ينف خصوصياتهم وعاداتهم وتقاليدهم التي لا تتعارض مع ثوابت العقيدة ومفاهيم الشريعة !

إن بعض الماديين المتأمركين يزعمون أن الجيل السابق مباشرة لم تكن لديه الهوية المصرية واضحة ، ولا مؤكدة عند طليعة الشباب‏‏ سواء عند الجماعة الإسلامية أو الجهاد ، وأن انحيازهم كان أكثر لمفهوم الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية التي تحكم العالم من الباكستان شرقا حتى المحيط الأطلنطي غربا وربما تمتد لتغزو أوروبا وأمريكا‏.‏

وهذا زعم غريب ، فالمصريون في يوم من الأيام لم ينسوا أنهم مصريون لحما ودما ، وأنهم عرب لحما ودما ، وأنهم مسلمون لحما ودما ، فأي تناقض يثيره هؤلاء بين الانتماء المصري أو الانتماء القومي أو الانتماء الإسلامي ؟ إنهم يبحثون عن ثغرة ، أو قل يفتحون ثغرة تتوافق مع فكر التقسيم الانعزالي الانفصالي البشع الذي يقودون الأمة إليه ، مثلما فعلوا ويفعلون في تقسيم السودان والعراق واليمن ولبنان .

إنهم يروجون أن ثورة‏ 25‏ يناير مدنية خالصة لم تقم بها جماعة دينية (؟) ولا تنظيم عسكري مسلح كما حدث في‏1952 ولم تقف خلفها أيديولوجية حزبية مغلقة بل ثورة شباب تمرد علي الاستبداد .. وهذا صحيح ، ولكن القوم يتناسون أن هذا الشباب مسلم لحما ودما أو ثقافة وحضارة .

إن التشهير بالإسلام ورموزه من خلال الحديث عن ثورة 25 يناير هو عمل خسيس ، لا يبعث عليه إلا التفكير الإجرامي الذي رعاه النظام البائد ، من أجل استئصال الإسلام ، ولكن الله أراد أن يستأصل النظام ، فبدأ برأسه ، وبقيت ذيوله التي مازالت تقبع فوق كراس مهمة ، ولكنها ستسقط حتما لأن مصر العربية المسلمة صلت في التحرير ، وقالت الله أكبر .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق