الخميس، 28 أبريل، 2011

الأقباط في أسرة الطوائف اللبنانيّة

الأقباط في أسرة الطوائف اللبنانيّة

المصدر: صدى البلد
ليس وضع الطائفة القبطية في لبنان اقل سوءا من اوضاع طوائف الاقليات المسيحية الاخرى. اي السريان الارثوذكس والسريان الكاثوليك والاشوريين واللاتين والكلدان والانجيليين، فهؤلاء جميعا ممثلين بنائب واحد في البرلمان اللبناني وهو حاليا النائب نبيل دو فريج المنتمي الى طائفة اللاتين. ويخضع اختيار النائب ممثل الاقليات في البرلمان الى التوازنات السياسية البيروتية التي لا تدخل فيها معايير العدد او نسبة الناخبين الذين ينتمي النائب المنتخب الى طائفتهم.

من جهة ثانية لا تخضع عملية ترشح ممثل الاقليات في البرلمان عن دائرة بيروت الثانية لاعتبارات توزع ناخبي الاقليات في بيروت والمناطق، فقد لا يكون في تلك الدائرة ناخبون من واحدة من طوائف الاقليات او من معظم هذه الطوائف. وعليه فان نائب الاقليات تنتخبه طوائف الاكثرية في اي دائرة ترشح فيها على مستوى لبنان، طالما ان هذه الطوائف لا تشكل منفردة او مجتمعة تكتلا انتخابيا يمكنه ان يفرض نائبا. وهذه المعادلة لا تسقط الحق التمثيلي عن نائب الاقليات او تجعله متواطئا مع الوجهة السياسية العامة، طالما انه سيكون من احدى تلك الطوائف السبع وطالما ان الطوائف الست المتبقية ستشعر بالغبن في جميع الاحوال.

باختصار يمكن القول ان نائبا واحدا يمثل سبع طوائف (مهما بلغ عدد المنتسبين اليها) هو احياء لمعادلة “العدد”، تلك التي تأنف طوائف كثيرة في لبنان الدخول في تفاصيلها(المعادلة)، طالما ان “التوافق” اللبناني لا يقيم لعديد الطوائف اي قيمة.

هذا التحقيق يلقي الضوء على اوضاع واحدة من طوائف الاقليات اللبنانية، اي الطائفة القبطية، وعلى بداية تواجدها في لبنان وتنظيمها والاعتراف بها ونجاح افرادها في الاندماج في المجتمع اللبناني.

عدم قدرة الاقباط على التمثل في البرلمان اللبناني، ينسحب على عدم تمثيلهم في الحكومة (كغيرهم من طوائف لبنانية كثيرة) وكأن الاعتراف بطائفة ما على انها جزء من الطوائف اللبنانية وعلى ان المنتسبين اليها لبنانيون كغيرهم من المواطنين لا ينسحب على مقدرات السلطة، فتكون فوائد الاعتراف بالطائفة مقتصرة على تمكن افرادها من الزواج وتسجيل زواجهم في دوائر النفوس واولادهم ايضا، واداء الشعائر الدينية بحرية، فقط، اما في ما يختص بالتعامل مع هذه الطوائف على انها شريكة في السلطة فهو امر متروك للطوائف الكبرى التي تنضوى تلك الطوائف تحت جناحيها، وهذا ينطبق على طوائف الاقليات المسيحية والاسلامية على حد سواء من دون تفريق.

تم الاعتراف بالطائفة القبطية في لبنان بقانون صدر عن المجلس النيابي في 24-7-1996 حمل الرقم 1966 . وجاء هذا الاعتراف بعد محاولات كثيرة لدى رئيس الحكومة حينذاك الراحل رفيق الحريري ورئيس الجمهورية الياس الهرواي. وكان الرئيس الحريري يؤجل البت بتلك القضية دوما واعدا المتابعين من الناشطين الاقباط بحسم هذه المسألة في القريب العاجل، اما رئيس الجمهورية فكان يجيب زواره من الاقباط بالقول “لدينا طوائف كثيرة في لبنان، ولا نحتاج الى زيادتها واحدة اخرى”. استمر هذا الوضع حتى زيارة البابا شنودة الى لبنان في عام 1995 ، فحمله الاقباط اللبنانيون ملفا حول اوضاعهم وعددهم كي يرفعه الى رئيس الحكومة بغية الاعتراف بطائفتهم رسميا. في جلسة مجلس الوزراء الاولى التي عقدت بعد زيارة البابا شنودة تم الاعتراف بالطائفة القبطية، وقد علق النائب اوغست باخوس في ذاك الحين على هذا الاعتراف بوصفه هدية الى البابا شنودة بسبب مواقفه من القضايا العربية والقضية الفلسطينية والاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية في لبنان وسورية.

تاريخ الاقباط في لبنان
لم يهاجر الاقباط المصريون الى لبنان دفعة واحدة، على غرار هجرة الارمن اليه هربا من المجازر التركية وهجرة السريان والاشوريين. بل كانت علاقة المصريين بلبنان دائمة ومستمرة، فسافر لبنانيون كثر الى مصر في بدايات القرن الماضي، واسس بعضهم صحفاً ومجلات ومنهم الاخوان حبيب وسليم تقلا وبرع امين الريحاني في مجال المسرح، وغيرهم كثر.

وولد مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل في مصر وكذلك مؤسس الكتلة الوطنية العميد ريمون اده وغيرهما ايضا. وكذلك كان المصريون في بدايات القرن يتخذون من لبنان مكانا لاصطيافهم بسبب انفتاح الموانئ البحرية بين لبنان ومصر في تلك الآونة، وبسبب سهولة زيارة البلدين التي لم تكن تحتاج الى جواز سفر او اي من المعاملات التي يحتاجها المسافر اليوم.

وكان المصطافون المصريون واكثرهم من الاقباط يتزوجون لبنانيات مقيمات في مناطق اصطيافهم وتحديدا من منطقة المتن.

وبذلك نشأت علاقة تاريخية متينة بين الاقباط المصريين والمسيحيين اللبنانيين في جبل لبنان. ثم قامت ثورة “الضباط الاحرار” التي اعتبرها الاقباط تهديدا لمكانتهم في مصر خصوصا بعد اقرار مشروع التأميم من قبل الرئيس جمال عبد الناصر والذي دفع برؤوس اموال كثيرة الى الخروج من مصر وعلى رأسها رؤوس اموال الاقباط المصريين الذين كانوا من الطبقة الارستقراطية المصرية ومن اثرياء المجتمع المصري.

وانتقل اكثر هذه الاموال الى لبنان في اعقاب الثورة. وكان لبنان في تلك الآونة ينعم باستقرار امني واقتصادي وينفرد بالسرية المصرفية التي سمحت لنظامه المصرفي باستقبال اموال النفط العربي واموال السوريين والمصريين الهاربين من ثورتي بلديهم اللتين “اسلمتا” الفكرة الاشتراكية. وحصل عدد كبير من الاقباط على الجنسية اللبنانية بسسب تحدرهم من اصول لبنانية عبر الام او الاب، وتعود تلك الاصول الى الاعوام الاولى من اعلان دولة لبنان الكبير.

وحصول هؤلاء الاقباط على الجنسية اللبنانية جعلهم مواطنين لبنانيين، ولكنه لم يجعلهم اقباطا بسبب عدم الاعتراف رسميا بتلك الطائفة، فكان المجنس منهم ينتقي الطائفة التي يرغب بالانتماء اليها من الطوائف المسيحية المعترف بها لكي يتسجل عليها في سجلات الاحوال الشخصية وفي دوائر النفوس.العلاقة مع السلطات اللبنانية

ادى تسجل المجنسين من الاقباط في اطار طوائف اخرى الى انخفاض اعدادهم في لبنان انخفاضا هائلا، ولم يبق منهم على قبطيته الا الذين لم يحصلوا على الجنسية. ورغم الاعتراف بالطائفة القبطية في عام 1996 لم يعد الى الانضواء في اطارها الاشخاص الذين اندمجوا في طوائف اخرى وخصوصا انه كان قد مر جيلان او ثلاثة اجيال على هذا الاندماج وبات من الصعب العودة عنه بعد سنوات طويلة من العيش في المجتمع اللبناني.

عند وصولهم الى لبنان سمح مطارنة الروم الارثوذكس في جبل لبنان للاقباط بالصلاة في احدى كنائسهم في منطقة فرن الشباك، وتحولت هذه الكنيسة الى مكان تجمعهم ولقائهم الدوريين بهدف جمع افراد الطائفة وشد اواصر العلاقة التي تربطهم خصوصا وانهم كانوا في عداد الغرباء عن لبنان حتى ذلك الحين. الى ان جاء العام 1970 فاشترى مجموعة من الاقباط قطعة من الارض في محلة جسر الباشا من اجل بناء كنيسة خاصة بالاقباط فوقها. استمر البناء حتى عام 1975 في بداية الحرب اللبنانية، ثم استؤنف عام 1990 عند انتهائها.

هذا في العلاقات الداخلية لافراد الطائفة القبطية، اما بالنسبة للعلاقة مع السلطة وفي ما يختص بدوائر النفوس والمواضيع المتعلقة بالاحوال الشخصية فقد كان مطران السريان الارثوذكس في جبل لبنان جورج صليبا بمثابة صلة الوصل بين الاقباط والسلطة، وذلك بسبب التشابه الكبير في العقيدة بين طائفتي السريان الارثوذكس والاقباط. وتتبع هاتان الطائفتان اضافة الى طائفة الارمن الارثوذكس اسقف القدس الذي يتبع بدوره المؤسسة البابوية في مصر.

وقد قام البابا شنودة بزيارات كثيرة الى لبنان للاطمئنان الى المواطنين الاقباط فيه، او مرّ على لبنان بعد زيارته الى سورية للاطلاع على اوضاع السريان الارثوذكس فيها او بعد عودته من القدس في زيارة للرعايا الارمن الارثوذكس هناك. فدينيا وعقائديا تتبع تلك الطوائف الثلاث الى سلطة البابا شنودة في مصر، وهي جميعها من الطوائف الشرقية التي تتشابه الى درجة كبيرة في معتقداتها.

(الفروقات الدينية)
اوضاع الاقباط في لبنان التفاعل الكبير الذي ارسته العلاقات التجارية والاقتصادية والتجارية بين اللبنانيين والمصريين قبل الثورة “الناصرية” ادى الى خلق علاقات جديدة بين اللبنانيين والمصريين ومنهم الاقباط تحديدا. وفي عام 1947 انتدبت الحكومة اللبنانية طيارين تابعين للطيران الملكي المصري لتدريب طيارين لبنانيين وكان من بينهم احمد شوكت ومكرم بطرس ولوسيان رزق وجورج مونتريول، والثلاثة الاخيرون من الطائفة القبطية، واستقروا في لبنان بعد زواجهم من لبنانيات وقد شكلّوا نواة الطائفة القبطية في لبنان، وتوفي بطرس في لبنان عام 1973 وكان اقدم موظف في شركة طيران الميدل ايست، اما السيد رزق فقد افتتح شركة لتصنيع الادوية، والسيد مونتريول بات مديرا لشركة سيارات الفيات لفترة طويلة. وبعد الثورة الناصرية لحق بهم عدد كبير من الاقباط الى لبنان فاقاموا فيه لسنوات طويلة ونجح كثيرون منهم في مجال التجارة والطبابة والوظائف الادارية الدولية، ومن الاسماء التي عرفت في لبنان كان اديب جبرا الذي عمل في مؤسسات الاونروا وكمال رياض الذي شغل منصب مدير في الاسكوا والطبيب انور رياض ثم في ما بعد الطبيب سليمان سليمان، وكيريلوس استافروس الذي عمل في الاونيسكو وحلمي عبد الملك الذي افتتح اول متحف للشمع في لبنان، ولكنه دمر اثناء الحرب اللبنانية، وهذا التعداد على سبيل المثال لا الحصر ، فقبيل الحرب كان من الاقباط رجال اعمال ومهندسون واطباء فاعلون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية اللبنانية.

خلال الحروب اللبنانية اشاع الرئيس المصري انور السادات ان كتيبة قبطية تحارب في لبنان الى جانب الاحزاب المسيحية ويدربها الرئيس كميل شمعون في قبرص . وقد جاءت هذه الاشاعة على اثر الخلاف الذي نشب بين السادات والاقباط في مصر بعد اعتراضهم على القانون الموحد للاحوال الشخصية والذي ادى الى اعتزال البابا شنودة في احد الاديرة.

يقول السيد ادوار البيباوي احد قدماء الاقباط في لبنان ان الاقباط لم يشكلوا تنظيما سياسيا ولم يكن لهم اي فصيل عسكري منظم خلال الحرب اللبنانية، وفي حال شارك بعض منهم في الحرب الى جانب الاحزاب المسيحية فان هذه المشاركة ليست سوى عمل فردي لم تكن الطائفة تشجعه.

الاقباط في زمن السلم
في عام 1996 تم ضم الطائفة القبطية الى اسرة الطوائف اللبنانية. وحصل حينها 1000 من الاقباط على الجنسية اللبنانية. وكان عدد الاقباط في لبنان حتى ذلك الحين يزيد على 5 آلاف مواطن، الفان منهم يحملون الجنسية اللبنانية. اما الباقون فلم يتقدموا للحصول على طلب الجنسية اللبنانية لشعورهم بان السلطات اللبنانية تؤجل منحهم الجنسية رغم الوعود الكثيرة التي تلقوها باعطائهم اياها، وبعضهم كان قد ترك لبنان منذ نشوب الحرب اللبنانية ولم يعد اليه، والبعض الآخر لم يتقدم للحصول على الجنسية اهمالا، والباقون من العدد الكلي لا يستطيعون الحصول على الجنسية بسبب دخولهم الى الاراضي اللبنانية بطرق غير شرعية واغلب هؤلاء من العمال الذين يجدون في لبنان مكانا للعمل ولتأمين لقمة العيش بعد انهيار الاقتصاد المصري وانتشار البطالة في مصر.

منذ الاعتراف بهم طائفة مستقلة يحاول الاقباط ترسيخ وجودهم في المجتمع اللبناني، فهم باتوا يشعرون بانهم مواطنون بعدما كانوا طوال الفترة الماضية يشعرون وكأنهم ضيوف. فاضافة الى الكنيسة التي تجمعهم في ايام الاحاد وفي المناسبات والاعياد المسيحية والقبطية، فهم يستغلون هذه الكنيسة واللقاءات فيها من اجل القيام بنشاطات تقربهم من بعضهم وتعيد منهم الى القبطية من ولد على طائفة اخرى بسبب سياسة الامر الواقع. فانشئت في الكنيسة لجان للثقافة والشباب والرياضة ومكتبة عامة والى ما هنالك… ويعمل الاقباط على بناء دير قبطي في لبنان سيكون الدير القبطي الاول في المنطقة وقد وضع البابا شنودة حجر الاساس له بعد زيارته الاخيرة الى لبنان.

ويعمل الناشطون من بين اقباط لبنان على استغلال التجمعات واللقاءات القبطية من اجل توجيه الابناء والشباب نحو الانخراط في العمل المؤسساتي والنقابي وفي ادارة الدولة اللبنانية. ويقوم هؤلاء الناشطون وعلى رأسهم السيد ادمون بطرس مندوب الطائفة القبطية في الرابطة المسيحية، بتعميق الصلة بالطوائف اللبنانية الاخرى، عبر اقامة حفلات الافطار في شهر رمضان ويتم في هذه الحفلات دعوة وتكريم رجال دين مسلمين.

ويعمل هؤلاء الناشطون اليوم على تأسيس جمعية تحمل اسم “الرابطة القبطية في لبنان” وقد جمعوا المستندات المطلوبة من اجل الحصول على العلم والخبر من وزارة الداخلية، على ان تكون تلك الرابطة بمثابة المؤسسة او المرجعية التي تتكلم باسم الاقباط والتي يتوجه اليها من يريد التواصل مع الاقباط في لبنان.

ويبدو من طلب الترخيص الموجه الى وزارة الداخلية ان اقباط لبنان باتوا يعرفون الادبيات اللبنانية التي رسمها اللبنانيون حول “لبنانهم” منذ تأسيسه، فجاء في الطلب:” نظرا الى الموقع الذي احتله لبنان تاريخيا كمركز من مراكز التفاعل الثقافي والانساني بين الحضارات المتنوعة، ولما كان هذا الدور مقدرا له ان يستمر ويتطور ويتأثر ويؤثر في حركة الفعل الحضاري الراهن والمستقبلي (هذه الفكرة يتغنى بها اللبنانيون منذ اعلان دولة لبنان الكبير، وعليها قام جزء من الميثاق اللبناني الذي رعاه الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح بعد الاستقلال) ولما كان للاقباط حضور تاريخي في هذا الوطن العزيز (تكريس المواطنية عبر الانتماء الى الوطن) (…) وبما ان العنصر القبطي اخذ في النمو ويحتاج الى من يرعاه ويشرف عليه وينظمه في اطار يخدم حركة الفعل الحضاري وبالتالي يخدم ويلبي الحاجات الانسانية والاجتماعية والعلمية (لم يأت على ذكر خدمة الطائفة القبطية حصرا) نسعى للحصول على رخصة (….)”.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق