الاثنين، 9 يوليو، 2012

شفيق وسليمان.. والهروب الكبير


أحمد شفيق وعمر سليمان هما أكثر الناس إدراكًا لخطورة منصب رئيس الجمهورية وصلاحياته الهائلة والمؤثرة. ومن المؤكد أن الخدمة المخلصة فى بلاط الطغاة جعلت قدرتهما على قراءة المشهد أعلى من قدرة أى أحد آخر. قد يمكن للثوار الأبرياء أن يبكوا على الصلاحيات المهدَرة التى انتزعها الإعلان الدستورى المكمِّل من الرئيس، ويمكن للمتلهفين على إصلاح الأحوال أن يتشاءموا من قدرة الرئيس على مواجهة استحقاقات المرحلة بصلاحيات منقوصة، ولكن من كان فى خبرة شفيق وسليمان لا يمكن أن يركَن إلى هذه القراءات الأولية البسيطة للمشهد، وإنما هو يعلم بالضرورة أن بلدا ذا سلطة مركزية غائرة كمصر يتمتع رأسه على الدوام بتأثير هائل على مجريات الأمور بصرف النظر عن النصوص المكتوبة. فعندما يرى كلٌّ من شفيق وسليمان الأمور على معبر رفح وهى تتحسن لصالح الفلسطينيين فإنهما بحاستيهما الأمنية والمخابراتية يفهمان أن هذا التحول لم يتم بناء على أوامر مباشرة من الرئيس، لكنه يتم لأن من يقفون على المعبر وقادتهم يفهمون أنه فى ظل رئيس منتخَب وشريف لا يمكن بداهة إهانة الفلسطينيين أو معاملتهم على النحو الذى كان يرضى الرئيس المخلوع الساقط وتلامذته. وعندما يرى كلٌّ من شفيق وسليمان وزارة الداخلية تسارع إلى نفى أن يكون المتهمون بقتل الشاب فى مدينة السويس ينتمون إلى التيار الإسلامى، فإنهم يدركون أن مرسى لم يوجههم لإصدار هذا التصريح، لكن مجرد وجوده على رأس السلطة جعل الداخلية تتحرز من إلقاء الاتهامات المعتادة التى دأبوا على تعليقها فى رقبة الإسلاميين. كما أن الاعتذار غير المعتاد الذى أعلنته الداخلية بعد الجريمة التى ارتكبها ضباط قسم مدينة نصر بضرب المحامين وتعذيبهم داخل القسم، والقرار السريع بوقفهم عن العمل والتحفظ عليهم وإحالتهم إلى التفتيش فى وزارة الداخلية ليحقَّق معهم وتُعلن النتيجة فى خلال 48 ساعة.. هذا بخلاف تحقيقات النيابة التى لم تتأخر هذه المرة.. كل هذا حدث فى ظل وزير الداخلية نفسه الذى لم يتغير والنائب العام نفسه الذى لم يتبدل وفى غياب الحكومة وغياب المجلس التشريعى، لكنه حدث ببساطة بسبب وجود رئيس جديد للجمهورية لم يُعرف عنه حبه للجريمة ولا حنوّه على المجرمين! كل هذه اللقطات والمشاهد يقرأها عمر سليمان وأحمد شفيق بوضوح ويدرك كل منهما أن نفس النائب العام الذى ستر جرائمهما فى الماضى ولم يتخذ إجراء جديًّا فى التحقيق معهما فى تهم الفساد المحدقة بهما، هو نفسه الذى سيضعهما فى الحبس قيد التحقيق، وهو نفسه الذى سيحيلهما إلى محكمة الجنايات، وذلك دون تدخل من رئيس الجمهورية على أى نحو.. الرجلان يفهمان هذا تمامًا ويدركان أن المجلس العسكرى الذى ينازع الرئيس سلطاته إنما يلعب فى الوقت الضائع ويحارب فى معركة خاسرة، ولسوف يسلّم عاجلًا أو آجلًا بجميع صلاحيات الرئيس وينضوى حقًّا وصدقًا تحت لوائه كما اعتاد أفراده أن يكونوا -كعسكريين محترفين- مع كل رئيس. ولئن كان المجلس العسكرى يستطيع حمايتهما فى السابق، فإنه ليس على استعداد الآن للدخول فى مواجهة مع الرئيس من أجل خاطرهما، وسيتركهما يواجهان مصيرهما مع جهات التحقيق التى لن تتصرف معهما مثلما فعلت فى التحقيقات السابقة الخاصة بالمخلوع وعصابته، وإنما ستكون التحقيقات حقيقية والمحاكمات محاكمات بجد!
لكل هذا فقد سارع الشفيق والسليمان بالهرب إلى أبو ظبى تحت جنح الظلام بعد أن وصل الدكتور مرسى إلى الرئاسة. ومخطئ من يتصور أن أيا منهما سيعود. سوف يرغبان فى البداية فى الترويج لمقولات عن العودة الوشيكة والحزب المزمع إنشاؤه والدور السياسى الذى يتحضر له أحدهما أو كلاهما فى المرحلة القادمة، ولسوف ينتظران أن تأتيهما الأيام بأى أخبار تبلّ الريق، مثل أن تفلح مظاهرات المنصة التى يقودها الأراجوز المختل فى إعادتهما إلى عرش مصر! أو أن يحدث غزو خارجى يخلصهما من الرئيس المنتخب، بالضبط مثلما كان الحال بالنسبة إلى بعض باشوات ما قبل يوليو 52 الذين ظنوا أن العدوان الثلاثى قد يقضى على ناصر ويعيدهم إلى سابق عهدهم. أما إذا لم يحدث شىء من هذا فإنهما باقيان مع الثروات المهربة ولن يعودا أبدًا. لقد أخذا العبرة مما حدث للمخلوع عندما تصور أن العيش والملح والأخوية يمكن أن تحميه، فإذا به يحصل على تأبيدة جعلت منه مجرما قاتلا بحكم محكمة. أما حكاية العمرة التى قال أنصار شفيق إنه سافر من أجل أدائها، فإنها لم تجلب له سوى السخرية والتهكم، ومن الخير أن يخترعوا حجة أخرى تناسب أبو ظبى مثل حضور سباق الهجن مثلا، وإن كان هذا قد يجعل البعض يرى فى المسألة حنينًا إلى موقعة الجمل التى حدثت عندما كان عمر سليمان نائبًا لرئيس الجمهورية وأحمد شفيق رئيسًا للوزراء.
قصدت من الحديث السابق أن أطمئن الذين يخشون على صلاحيات الرئيس وأن أؤكد لهم أن شفيق وسليمان يفهمان معنى «رئيس الجمهورية» جيدا.. فهل يا ترى يعى رئيسنا هذه الحقيقة ويتصرف على ضوئها أم يظل أسير المواءمات والتوازنات التى جعلته يمنح وساما لرجل ارتكب جريمة عقوبتها السجن عندما توسط لدى قضاة للإفراج عن بعض المتهمين؟! وقد أعاد وسامه هذا إلى ذاكرتنا الوسام المشؤوم الذى قدمه مبارك إلى محمد إبراهيم سليمان. ليت الدكتور مرسى يدرك هول منصبه كما يفهمه شفيق وسليمان!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق