الجمعة، 26 فبراير 2010

قانون تقليم أظافر البابا شنودة في المحاكمات الكنسية


قانون تقليم أظافر البابا شنودة في المحاكمات الكنسية
من مناطق الزلل التي تحيط بالكنيسة الأرثوذكسية ما يقال ويتردد وثبت كثير منه عن المحاكمات الكنسية التي تهدر فيها كرامة الإنسان وتسحق حريته.. عندما يقف أمام إنسان مثله يحمل رتبة كنسية ليحاكمه علي ما قاله أو فعله وفي النهاية يخلع عنه رتبته وكأنه بذلك يحرمه من شرعيته.. قسوة الإجراء لا تقارن بقسوة تفاصيله.. طريقة الاستجواب.. والتفتيش.. والركنة لساعات طويلة.. وكأن من يقع في خطأ ولو صغير من أبناء الكنيسة يتحول في غمضة عين إلي مجرم ومسجل خطر يجب «قطم رقبته».
هذا الأسلوب النازي في المحاكمات منح من يقومون عليه ـ وتحديدا الأنبا بيشوي ـ قوة هائلة واحاطه بأساطير لم يكن هو نفسه يحلم بها.. ولا أدري هل يجلس الرجل في مكتبه ويسعد بأنه أصبح عند الأقباط مصاص دماء يخشاه الجميع، أم أن هذه الصورة تؤرقه وتقلق منامه.. صحفية قبطية تعمل معي منذ شهور كانت تدافع باستماتة عن الأنبا بيشوي وعن كل ما يقوم به.. لكنها جاءتني يوم صدور قرار قطع د. جورج حبيب بباوي مذعورة وخائفة من الأنبا بيشوي قالت لي: لأول مرة أراه هكذا.. إنه رجل عنيف يريد أن يعصف بكل معارضيه ولا يبقي لهم أثرا.. شعرت بها نادمة علي دفاعها السابق عنه.. لكنني أدركت لحظتها الورطة التي أوقع الأنبا بيشوي نفسه فيها.. فهو يخسر كل يوم أحد المدافعين عنه والمتحمسين له والمعتقدين أنه يقوم بكل شيء لوجه المسيح والكنيسة.. فإذا بهم يجدونه يفعل ذلك لوجه البابا والمنصب.. والفارق كبير بالطبع.
إن هناك بدعا كثيرة لحقت بالمحاكمات الكنسية.. وقد ظللت كثيرا أحاول فهم هدف وضرورة هذه المحاكمات لكنني لم أصل إلي حقيقتها.. أعرف أن رجال الكنيسة يجب أن يعملوا علي معالجة داءات الناس وأمراضهم وستر خطاياهم كآباء وأطباء وبشر يرون خلاص كل البشر ورعايتهم، وليست مهمتهم إطلاقا تعقب الأشرار لابادتهم من الوجود بل الترفق بهم وعلاجهم حتي يحولوهم إلي أصحاء نافعين لأنفسهم ولغيرهم وحتي يصيروا عملاء لله في نشر الخير وعاملين علي امتداد ملكوته علي الأرض.
أفهم أن تكون العقوبات التي توقع علي المخطئين تكون للإصلاح والخلاص من الداء إن وجد لا من أجل الإذلال والتحقير، أن تكون بروح الأبوة الروحية والتعليم الصالح وليعود المريض صالحا لحاضره ومستقبله ولنفسه لا بدافع الانتقام والهلاك أو حماية للنفوذ وتأكيدا للسلطة والرئاسة.. ولذلك كنت أتحير من واقع المحاكمات في كنيسة البابا شنودة.. وهالني ما قرأته عند القس إبراهيم عبدالسيد عن تجاوزات المحاكمات الكنسية.. لقد عاش هذا الرجل ومات وهو مقتنع بما لديه من أفكار.. كتب عن المحاكمات الكنسية بمرارة لأنه ذاق نارها وصار لهيبها في جسده كله.. ولذلك فإن الكلمات رغم مضي السنوات عليها صدي هائل.
< <
رصد إبراهيم عبدالسيد في كتابه عن المحاكمات الكنسية بدع العقوبة غير المحددة.. فعقوبة الايقاف مثلا المسماة تجملا إجازة مفتوحة تجعل من البريء مذنبا أمام الناس وتجعل من المذنب مجرما يزداد إجرامه بابتعاده عن مقر خدمته وكان من الأحري أن تكون عقوبته مزيدا من الصلوات والخدمات الروحية التي تحوله إن كان خاطئا أو مخطئا إلي تائب وتحفظ له آدميته وصورته الحسنة أمام الناس.. وهناك بدعة المنع من الصلاة.. فمنع الخادم عن الذهاب إلي بيت الله أو حرمانه من ممارسة الصلوات ليست الطريقة المثلي لتقويم الفرد إن اخطأ بل العكس هو الصحيح أي بتشجيعه علي المزيد من الصلوات لمنعه من الانحراف والأخذ بيده لخلاص نفسه والوصول إلي أبدية صالحة يرجوها له الله والناس وهو ما كان يفعله الآباء البطاركة السابقون في معالجة مثل هذه الأمور.
من بين البدع كذلك التحقق من التوبة.. حيث يقال في تبرير العقوبة غير المحددة المدة هو التثبت من توبة المحال إلي التحقيق والمحاكمة حتي لا يتحمل رئيسه ذنبه أمام الله وأن الإجازة المفتوحة هي لضمان توبته وعدم عودته إلي ما هو منسوب إليه من خطأ أو خطيئة وذلك بدافع أبوة الرئيس لمرءوسيه.. بعد ذلك تأتي بدعة الإقرار الكتابي حيث يتوالي الضغط علي من ارتكب خطأ حتي يستكتبوه بخط يده أو بتوقيعه علي إقرار بصحة المنسوب إليه كاعتراف بزعم التثبت من توبته وخلاص نفسه أيضا وضمانا لعدم عودته إلي ما هو منسوب إليه وهو في الحقيقة لإذلاله طوال أيام عمره.
الأكثر من ذلك أن هناك بدعة تفتيش المتهمين داخل المحكمة وداخل سياراتهم.. ويروي إبراهيم عبدالسيد أنه بلغ في بعض المحاكمات أن قام رئيس المجلس الإكليريكي العام بتفتيش المحالين إلي التحقيق والمحاكمة ذاتيا وكذا تفتيش سياراتهم علي مرأي ومسمع من كثيرين، بل ربما يفكر الآن في تفتيش منازلهم وغرف نومهم الأمر الذي لا يملكه قانونا إلا من أعطيت لهم صفة الضبطية القضائية أو من تأذن له النيابة العامة بذلك.. ثم إن ما يحدث في المحاكمات الآن أمر غريب حيث إنها لا تعقد جلساتها بصفة دورية بل حسب المزاج الشخصي لرئيسها وبغير انتظام وبلا لائحة تنظم إجراءاتها ولساعات طويلة قد تمتد منذ الصباح الباكر وحتي منتصف الليل أو حتي طلوع فجر اليوم التالي.
< <
هذا بعض من كل.. وهو ما دعا عددا كبيرا ممن يهتمون بالشأن القبطي ألا تكون المحاكمات الكنسية تبعا لأهواء من يتحكمون فيها، بل تتم طبقا للقانون، إن إجراءات المحاكمات الكنسية تشير ببساطة إلي أن الكنيسة تتعامل وكأنها دولة داخل الدولة.. لا تعترف بالقانون الذي يحكمنا جميعا حيث لها قانونها الذي لا يستطيع أحد أن يعارضها فيه.. لكن الآن تأتي لحظة فاصلة في تاريخ الكنيسة.. فمن بين أوراق مؤتمر العلمانيين الثاني تأتي ورقة مهمة جدا.. أعدها المستشار لبيب حليم لبيب نائب رئيس مجلس الدولة وهي عبارة عن مشروع قانون المحاكمات الكنسية.. لائحة الجزاءات التأديبية للإكليروس.
يقدم المستشار لبيب لمشروعه قائلا: وإذا كانت القاعدة الكنسية قاعدة طاهرة ومستقيمة ومملوءة سلاما وغايتها الترفق والمسالمة، وكان موضوع تأديب الرعاة لم يحظ بالعناية الكافية من مؤلفات الفقه والباحثين وكانت عملية تقنين نصوص لائحة للمحاكمات الكنسية تتطلب أن تكون نصوصها طاهرة مستقيمة عادلة فقد استغرقت عشرات الأيام التي امتدت لشهور في وضعها لتأتي متمشية مع مبادئ التأديب المتضمنة في الكتب المقدسة وقوانين الرسل والدسقولية وأحكام المجامع المسكونية وأقوال الآباء.
وحتي يثبت المستشار لبيب حسن نيته فهو يعرف أنه داخل بمشروعه هذا إلي عش الدبابير.. بل يمكن أن نقول عنه وكر الحيتان فإنه يقول: لقد استفدت من الخبرة الطويلة التي قضيتها علي منصة القضاء ومن مشاركتي في أقسام الفتوي والتشريع راجيا أن يتفضل البابا شنودة الثالث بطريرك الكرازة المرقسية وخليفة القديس مار مرقس الرسول الإنجيلي رئيس أساقفة الكرازة المرقسية الحارس علي إيمان الكنيسة وعقيدتها وقوانينها وطقوسها بأن يأمر بعرض هذا المشروع علي المجمع المقدس باعتباره السلطة التشريعية العليا داخل الكنيسة لمراجعته تمهيدا لإصدار قرار بإعمال أحكامه.
في مشروع القانون مواد كثيرة لها دلالتها منها مثلا المادة الثانية الخاصة بالأشخاص الخاضعين للتأديب وهم علي الترتيب رجال الأكليروس البابا البطريرك والمطارنة والأساقفة والقمامصة والقسوس والشمامسة.. أي البابا شنودة شخصيا ليس فوق سلطة التأديب بل يمكن إذا أخطأ أو ارتكب خطيئة ما أن يخضع لعقوبة التأديب، وفي المادة 13 مكرر مثلا يحظر علي الأسقف أن يأخذ من مال المطرانية إلا بقدر احتياجه للطعام والملبس ويحظر عليه أن يتطاول بحكم رئاسته علي أموال الكنيسة أو أملاكها أو أن يجعل لذوي قرباه كسبا من خلال الخدمة الكنسية أو نصيبا في أموال البيعة أو منافعها.. ويحظر علي الأسقف كذلك أن يقوم بتعيين قريب له في إدارة الكنيسة أو منحه عقدا أو ايجارا حتي لو كان في ظاهره نفع لأموال الكنيسة درءا لكل شبهة.. وألا يفرط في مال الرب والتصرف فيه كأنه له وعليه ألا ينسي أنه مجرد وكيل أمين عالم أن الله سيحاسبه عنه، ويحظر علي الأسقف أيضا أن يلبس الحرير ـ أو المبالغة في لبسه ـ ولا أن يزين مائدته بالأطعمة وفقراء شعبه جياع أو عراة.. ويحظر أن يكون الأسقف كثير النفقة علي حياته الخاصة أو منشغلا بملذات العالم وساعيا للشهرة والأضواء. ثم وهذا مهم جدا.. يحظر علي الأسقف أن يعمل بالسياسة أو يبدي رأيا في أمورها وعليه أن يرفض تحوله إلي شخصية عامة مدنية ولا ينزلق وراء شكليات العالم حتي لا يخرج عن كرامة كرسي المسيح ويكون بمنأي عن النقد والكراهية الناجمين عن المواقف السياسية وحتي لا يزج بشعبه في دوائر الصدام السياسي أو إلي دوائر نفاقه.
هذه ليست كل المحظورات.. وكلها كما تري لا يمكن أن يقبل بها أساقفة البابا شنودة لأنهم لو التزموا بها.. فإنها يمكن أن تقلل من سلطاتهم وتمنعهم من ممارسة ومواصلة نفوذهم.. لقد حقق الأساقفة في عهد البابا شنودة مكاسب هائلة ولا يمكن أن يتخلوا عنها بسهولة.. حتي لوكان مشروع القانون منطقيا ويمكن أن يأتي بالخير للكنيسة فالمهم أن يأتي بالخير لهم.. وما دام أنه لن يفعل ذلك فإنه سيكون بالنسبة لهم كأنه لم يكن.
ونأتي إلي مربط الفرس.. ماذا قال مشروع القانون عن المحاكمات الكنسية وإجراءاتها.. قال: كل من خرج من رجال الإكليروس علي مقتضيات الواجب أو ارتكب أي فعل محظور عليه ارتكابه أو ظهر بمظهر من شأنه الاخلال بكرامة الكهنوت يجازي تأديبيا.. لاحظ أنه قال هنا «كل» دون أن يستثني أحدا ـ هذه ملاحظة فقط ـ يقول القانون كذلك: لا يجوز توقيع جزاء من الجزاءات الكنسية المنصوص عليها في هذه اللائحة إلا بعد التحقيق معه كتابة وسماع أقواله وتحقيق دفاعه، وإذا كانت أخطاء رجل الإكليروس مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بشخص أسقفه انعدمت سلطة الأسقف في طلب إحالة رجل الإكليروس للتحقيق وعلي الأسقف أن يخطر المجمع المقدس بمضمون ما صدر من رجل الإكليروس نحوه وذلك لاتخاذ شئونه.
ويمضي المشروع في إصلاحه يقول: تنعقد سلطة الإحالة للتحقيق للبابا البطريرك والآباء الأساقفة ولا يجوز لغير من أنيط بهم هذا الاختصاص الاحالة للتحقيق أو التصرف فيه أو ممارسة اختصاص الإحالة للمحاكمة التأديبية، ويندب البابا أو الأسقف أحد الأساقفة أو القسوس من الحاصلين علي درجة الليسانس في القانون أو من الأراخنة الذين يعملون في إحدي الهيئات القضائية ليمارس سلطاته في الفحص والتحقيق، ويجب علي المحقق فور إحالة أوراق التحقيق إليه أن يبادر إلي الاطلاع عليها وأن يثبت بمحضر التحقيق موجزا وافيا لما تضمنته من وقائع ومخالفات وأن يضمنه ملخصا كافيا لكل ورقة ذات صلة مباشرة بموضوع التحقيق ويجب أن يؤشر علي كل ورقة من الأوراق التي اطلع عليها مهما تعددت بما يفيد النظر والإرفاق مع التوقيع واثبات التاريخ.
ويرتب المشروع إجراءات المحاكمة.. فعلي المحقق عقب الانتهاء من الاطلاع علي الأوراق أن يحدد أقرب جلسة لبدء التحقيق ويجري التحقيق في مقر الكاتدرائية أو المطرانية حسب الأحوال ويجوز للمحقق الانتقال إلي أي جهة يقتضي التحقيق الانتقال إليها لضبط واقعة أو إجراء معاينة أو الاطلاع علي أوراق أو سجلات لا يمكن نقلها أو لسؤال أشخاص يتعذر انتقالهم وعلي المحقق قبل الانتقال أن يخطر الجهة المعنية لإعداد المستندات وتكليف المطلوب سماع أقوالهم بالتواجد في الموعد المحدد.
ويصل القانون إلي نقطة مهمة.. فإذا أسفرت إجراءات التحقيق عن تأكيد إخلال المخالف بواجبات رسالته الرعوية يتم رفع مذكرة مصاحبة للتحقيق للبابا أو الأسقف حسب الأحوال لتوقيع الجزاء المناسب عن المخالفة المرتكبة ولا يكون الجزاء صحيحا ما لم يكن صادرا في الحدود التي رسمتها هذه اللائحة ومن صاحب الاختصاص بإصداره وأن يكون قائما علي سببه الصحيح وأن تكون العقوبة متناسبة مع الذنب المرتكب ويجب أن يكون القرار التأديبي مسببا بما يكفل الاطمئنان إلي صحة وثبوت الوقائع المستوجبة لهذا الجزاء.. ويجوز للمخالف أن يتظلم خلال 60 يوما من القرار الصادر بمجازاته إلي مصدر القرار أو إلي السلطة الرئاسية ويجب أن يبت في التظلم خلال ستين يوما من تاريخ تقديمه وإذا صدر القرار بالرفض وجب أن يكون مسببا ويعتبر مضي ستين يوما علي تقديم التظلم دون أن تجيب عنه السلطة المختصة بمثابة رفضه.
< <
هذا أيضا بعض من كل.. لكن المستشار لبيب حليم لبيب وهو يكتب المشروع يبدو أنه كان يعرف خطورته.. ولذلك قدم إليه بقوله «ولا يفوتني أن أقرر بتبجيلي وتقديري وحبي واحترامي للبابا البطريرك وكل المطارنة والأساقفة وكل رتب الكنيسة المقدسة وصلاتي من أجل خلاص أنفسهم داعيا إلي ابن الله أن يبرئنا ويقبلنا شركاء حبه العظيم الذي دفعه إلي الصليب ويتمجد اسمه في كنيستنا الآن وإلي الأبد.. آمين.. ورغم رقة الكلام ورغم أن المشروع عادل وإنساني.. لكنه يحرم البابا شنودة ورجال الكنيسة من ممارسة سلطاتهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق